أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

425

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وكأنّ الذي قدّر الجواب محذوفا استشكل كون قوله « لَهَمَّتْ » جوابا لأنّ اللفظ يقتضي انتفاء همّهم بذلك ، والغرض أنّ الواقع كونهم همّوا على ما يروى في القصة فلذلك قدّره محذوفا ، والذي جعله مثبتا أجاب عن ذلك بأحد وجهين : إمّا بتخصيص الهمّ أي : لهمّت همّا يؤثّر عندك ، وإمّا بتخصيص الإضلال أي : يضلونك عن دينك وشريعتك ، وكلا هذين الهمّين لم يقع . و « أَنْ يُضِلُّوكَ » على حذف الباء أي : بأن يضلّوك ، ففي محلّها الخلاف المشهور ، و « مِنْ » في « مِنْ شَيْءٍ » زائدة ، و « شَيْءٍ » يراد به المصدر أي : وما يضرّونك ضررا قليلا ولا كثيرا . قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أَمَرَ : في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه متصل . والثاني : أنه منقطع ، وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها المصدر كالدّعوى فتكون بمعنى التناجي ، وأن يراد بها القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا نحو : « رجل عدل وصوم » فعلى الأول يكون منقطعا لأنّ من أمر ليس تناجيا ، فكأنه قيل : لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير ، والكوفيون يقدّرون المنقطع ب « بل » ، وجعل بعضهم الاستثناء متصلا وإن أريد بالنجوى المصدر ، وذلك على حذف مضاف كأنه قيل : إلا نجوى من أمر ، وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا . وقد عرفت ممّا تقدّم أن المنقطع منصوب أبدا في لغة الحجاز ، وأنّ بني تميم يجرونه مجرى المتصل بشرط توجّه العامل عليه ، وأنّ الكلام إذا كان نفيا أو شبهه جاز في المستثنى الاتباع بدلا وهو المختار ، والنصب على أصل الاستثناء ، فقوله « إِلَّا مَنْ أَمَرَ » : إما منصوب على الاستثناء المنقطع إن جعلته منقطعا في لغة الحجاز ، أو على أصل الاستثناء إن جعلته متصلا ، وإمّا مجرور على البدل من « كَثِيرٍ » أو من « نَجْواهُمْ » أو صفة لأحدهما ، كما تقول : « لا تمرّ بجماعة من القوم إلا زيد » إن شئت جعلت زيدا تابعا للجماعة أو للقوم . ولم يجعله الزمخشري تابعا إلا « لكثير » قال : « إلا نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من « كَثِيرٍ » كما تقول : « لا خير في قيامهم إلا قيام زيد » وفي التنظير بالمثال نظر لا تخفى مباينته للآية ، هذا كله إن جعلنا الاستثناء متصلا بالتأويلين المذكورين أو منقطعا على لغة تميم . وتلخّص فيه ستة أوجه : النصب على الانقطاع في لغة الحجاز أو على أصل الاستثناء ، والجرّ على البدل من « كَثِيرٍ » أو من « نَجْواهُمْ » أو على الصفة لأحدهما . و مِنْ نَجْواهُمْ متعلق بمحذوف لأنه صفة ل « كَثِيرٍ » فهو في محلّ جر ، والنجوى في الأصل مصدر كما تقدم ، وقد يطلق على الأشخاص مجازا قال تعالى : وَإِذْ هُمْ نَجْوى « 1 » ، ومعناها المسارّة ، ولا تكون إلا من اثنين فأكثر ، وقال الزجاج : « النجوى ما تفرّد به الاثنان فأكثر سرا كان أو ظاهرا . وقيل : النجوى جمع نجيّ نقله الكرماني . قوله : « بَيْنَ » يجوز أن يكون منصوبا بنفس « إِصْلاحٍ » تقول : « أصلحت بين القوم » قال تعالى : فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ « 2 » وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل « إِصْلاحٍ » . و « ابْتِغاءَ » مفعول من أجله . وألف « مرضاة » عن واو ، وقد تقدّم تحقيقه . وقرأ أبو عمرو وحمزة : « فسوف يؤتيه » بالياء نظرا إلى الاسم الظاهر في قوله « مرضات اللّه » ، والباقون بالنون نظرا لقوله بعد : « نُوَلِّهِ و نُصْلِهِ » وهو أوقع للتعظيم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 115 إلى 124 ] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 116 ) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 120 ) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ( 121 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ( 122 ) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 )

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية ( 47 ) . ( 2 ) سورة الحجرات ، الآية ( 10 ) .